الطربوش

بينى وبينك سور وراء سور وأنا لا مارد ولا عصفور

Friday, December 15, 2006




البحث .. عنه !


لن تمنعك تلك العيون التى يملأها التعب ولا تلك الوجوه المصابة بالضعف ولا ذلك الجبين الغرقان فى مياه العرق ولا ذلك التشابك بالأيدى بين سائقى تاكسى من أجل زبون معفن لن يدفع أجرته كاملة إلا بعد معركة شعارها الرئيسى المماطلة من أجل جنيه زيادة أو جنيه ناقص ، لن تمنعك تلك الأشياء مجتمعة ومعها وفوقها وتحتها عشرات مثلها من أن تسأل نفسك ذلك السؤال الرخم "هو إحنا بنعمل فى نفسنا كده ليه؟" وقبل حتى أن تتمنى أن تجد الغجابة سيتبرع ذلك الأخ الذى يجاهد من أجل شهقة هواء نقى تنقذه من زحام المترو أو الأتوبيس قائلا "عشان نعرف نعيش ياسيدى .. بناكل فى بعض عشان نعيش ياأستاذ ؟ " ثم يتوه الأخ المتبرع بالإجابة ولا تعرف إن كان قد تم دفنه تحت الأقدام أو وصل بيته شبه سالما ليطلع ما به من قرف على ولاده ومراته ... تلك المقدمة النصف طويلة لم تكتب على سبيل الرغى أو الثرثرة بل هى سابقة لسؤال مهم يقول " طيب إذا كانت الحياة صعبة بهذا الشكل فهل يصبح التصوف هو الحل الوحيد لتلك الإشكاليات ؟ " ورغم أننى لا أعتقد ذلك ولا أجد فى التصوف وحياة الدروشة حلا لتلك الحياة الذى يختلط بها القرف بالعرق بالتعب من أجل لقمة عيش أصبح الحصول عليها حاجة كده ولا فى الخيال . ما جاء به البروفسير رضا شاه كاظمى فى كتابه "طرق التعالى" والذى يتحدث فيه عن الصوفية والطرق التى يسلكها الإنسان من اجل الترفع عن الحياة الدنيا والسمو عن فضائحها ومشاكلها مستشهدا بنموذج لثلاثة من المتصوفة من ثلاث أديان مختلفة هم ( ابن عربى "مسلم " ، ايكارت " ألمانى مسيحى" ، شنكرا "هندوسى" ) ماكتبه كاظمى عن التصوف يجعلك تتسائل ولماذا لايكون التصوف هو الحل للهروب من تلك المشاكل دون ان تحسب تبعات ما يحدث لأن لاشئ أكثر إغراءا للإنسان من راحة البال فى مجمل كتابه يريد كاظمى أن يقول أن التصوف كائن مستقل لا وطن ولا دين له ولا مدرسة معروفة العنوان تلجأ إليها العقول لتستقى منها مالذ وما طاب من معرفة ،فالتصوف كائن روحانى لايبحث عن أشخاص بل يبحث عنه النا س بأرواحهم التى تهدف أن تمتلأ بمزيد من الإيمان والراحة والتعالى والتسامح والسمو عن غرائز البشر ، يضرب كاظمى بإبن عربى مثلا فى التصوف ويقول عن إبن عربى الذى ولد عام 1165 فى الأندلس وتوفى فى دمشق عام 1240 وألف طول حياته 846كتابا تأثر بها الكثير من الفلاسفة والكتاب لعل أشهرهم الإيطالى الإعظم "دانتى"
ابن عربى يختلف كثيرا عن ابن رشد كما يقول المؤلف فإبن عربى من اتباع أفلاطون يعنى هو مؤمن بالمثالية فى التفكير ولا يشغله شئ سوى التعالى الربانى والإنصهار فى وحدة الوجود " حاجة كده زى المدينة الأفلاطونية والعيش فى رحاب الله دون الإلتفات للحياة الدنيا وشهوات البشر " وذلك طبعا عكس ابن شد المؤمن بفكرة المنطق العقلانى والواقعية
فإبن عربى له الكثير من الشطحات البعيدة التى لاعلاقة لها بالواقع الأرضى فهو كما تقول سارح فى ملكوت الله يدور فى فلك سماوى أخر لاعلاقة له بأهل الأرض ، ولكنك حينما تسمع إبن عربى وهو يتحدث عن الحب وأنواعه فلابد وان تجلس وكان على رأسك طيرا فإبن عربى يعتبر أن الحب هو أصل الوجود " حاجة تفرح العشاق الولهانين طبعا " وقسم بن عربى الحب إلى ثلاثة انواع الاول " الحب الطبيعى وهو حب حسى يهتم باللذات الجسدية دون اى اهتمام بالروح والجسد والمحبوب فى هذه الحالة ليس محبوبا لذاته بل لما يوفره للمحب من لذة ومتعة النوع الثانى هو الحب الروحانى وهو أرقى من النوع الاول لانه يتطلب الإتحاد بالمحبوبة روحا وجسدا والثالث هو الحب الإلهى وهو أرقى انواع الحب لانه حب روحى خالص لا علاقة للجسد به فالإنسان حينما يحب المرأة حبا إلهيا خالصا فهو يحبها حبا مثاليا لاتدنسه الماديات . وكان لإبن عربى كما قلنا شطحات بعيدة خصوصا فيما يتعلق بمسألة الأديان فهو كان يرى ان الحب هو جوهر تلك الاديان وأن الخلاف الوحيد يكون فى العبادات والشعائر والطقوس والتى كان يعتبرها أشياء ثانوية بجابن فكرة الحب والتسامح التى تسمو بالبشر فوق كل الأشياء وتعلو بالفرد فوق الإخرون التى تشغلهم الدنيا وهمومها وبمنفس المنطق تحدث المؤلف عن ايكارت الألمانى الذى تشبه كثيرا بإبن عربى حتى وصل لمرتبة اشهر المتصوفة المسيحين ونفس المنطق مع شنكر الذى عاش حياة التصوف وأصبح درويشا يجوب الأرض والمدن خطيبا فى الناس مترفعا عن شهوات الحياة وملذاتها
تبقى إذا مشكلة تتلخص فى سؤال يقول لماذا لا نتخذ التصوف مذهبا و بالطبع لا أقصد أن نتحول لدراويش تجوب الأرض وتلفها بل أقصد لماذا لا نتخذ من هذا الحب الصوفى مبدأ نسمو به فوق تلك الحياة التى تختنق كل يوم بمشكلة جديدة وصراع مقرف على أشياء إن تبدى لنا نحن البشر تسوؤنا أو على الأقل حينما ندرك حقيقتها فسوف نكره أنفسنا من تفاهة ما كنا نتصارع عليه

12 Comments:

Post a Comment

<< Home